قصيدة متى يعلنوا وفاة العرب شعر نزار قباني

                                                                         متى يعلنوا وفاة العرب؟؟؟

     شعر  نزار قباني

              أحاول منذ البداياتِ… أن لا أكونَ شبيها بأي أحدْ.

رفضتُ الكلامَ المُعلّبَ دوما. رفضتُ عبادةَ أيِ وثَنْ.

أحاول إحراقَ كلِ النصوصِ التي ارتديها.
فبعضُ القصائدِ قبْرٌ، وبعضُ اللغاتِ كَفَنْ.

أحاول أن أتبرّأَ من مُفْرداتي ومن لعْنةِ المبتدا والخبرْ.
وأنفُضَ عني غُباري..  وأغسِلَ وجهي بماء المطرْ.

أحاول من سلطة الرمْلِ أن أستقيلْ.
وداعا قريشٌ.

.وداعا كليبٌ.
وداعا مُضَرْ.

أحاول رسْمَ بلادٍ تُسمّى – مجازا – بلادَ العربْ
سريري بها ثابتٌ ورأسي بها ثابتٌ لكي أعرفَ الفرقَ بين البلادِ وبين السُفُنْ
ولكنهم…أخذوا عُلبةَ الرسْمِ منّي، ولم يسمحوا لي بتصويرِ وجهِ الوطنْ.

أحاول منذ الطفولةِ فتْحَ فضاءٍ من الياسَمينْ.
وأسّستُ أولَ فندقِ حبٍ بتاريخ كل العربْ .
وألغيتُ كل الحروب القديمةِ بين الرجال وبين النساءْ.

وبين الحمامِ…ومَن يذبحون الحمامْ.
وبين الرخام ومن يجرحون بياضَ الرخامْ.
ولكنهم أغلقوا فندقي، وقالوا بأن الهوى لا يليقُ بماضي العربْ.
وطُهْرِ العربْ، وإرثِ العربْ، فيا لَلعجبْ!!

أحاول أن أتصورَ ما هو شكلُ الوطنْ؟
أحاول أن أستعيدَ مكانِيَ في بطْنِ أمي … وأسبحَ ضد مياه الزمنْ.
وأسرقَ تينا، ولوزا، و خوخا… وأركضَ مثل العصافير خلف السفنْ.

أحاول أن أتخيّلَ جنّة عَدْنٍ
وكيف سأقضي الإجازةَ بين نُهور العقيقْ، وبين نُهور اللبنْ.
وحين أفقتُ اكتشفتُ هَشاشةَ حُلمي.
فلا قمرٌ في سماءِ أريحا.
ولا سمكٌ في مياهِ الفرات.
ولا قهوةٌ في عَدَنْ. 

أحاول بالشعْرِ أن أُمسِكَ المستحيلْ.

وأزرعَ نخلا…ولكنهم في بلادي، يقُصّون شَعْر النخيلْ.
أحاول أن أجعلَ الخيلَ أعلى صهيلا ولكنّ أهلَ المدينة ِيحتقرون الصهيلْ!!

أحاولُ منذُ بدأتُ كتابةَ شِعْري قياسَ المسافةِ بيني وبين جدودي العربْ.

رأيتُ جُيوشا… ولا من جيوش.
رأيتُ فتوحا… ولا من فتوحْ.

وتابعتُ كلَ الحروبِ على شاشةِ التلْفزهْ.

فقتلى على شاشة التلفزهْ… وجرحى على شاشة التلفزهْ.
ونصرٌ من الله يأتي إلينا…على شاشة التلفزهْ…

أيا وطني: جعلوك مسلْسلَ رُعْبٍ نتابع أحداثهُ في المساءْ.
فكيف نراك إذا قطعوا الكهْرُباءْ؟؟

أنا بعْدَ خمسين عاما أحاول تسجيل ما قد رأيتْ.
رأيتُ شعوبا تظنّ بأنّ رجالَ المباحثِ أمر من الله.

مثلَ الصُداعِ … ومثل الزُكامْ … ومثلَ الجُذامِ … ومثل الجَرَبْ.

رأيتُ العروبةَ معروضةً في مزادِ الأثاث القديمْ… ولكنني .. ما رأيتُ العَرَبْ.

——————————————————————————-

رسومات من أعمال الفنان ناجي العلي

  

 

 

 

اترك رد